الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
7
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مبتدأ سوّغ الابتداء به ما في التنكير من معنى التعظيم فكانت بذلك كالموصوفة وقوله : مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ خبر عنه . وقوله : كِتابٌ بدل من تَنْزِيلٌ فحصل من المعنى : أن التنزيل من اللّه كتاب ، وأن صفته فصّلت آياته ، موسوما بكونه قرآنا عربيا ، فحصل من هذا الأسلوب أن القرآن منزّل من الرحمن الرحيم مفصلا عربيا . ولك أن تجعل قوله : مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في موضع الصفة للمبتدأ وتجعل قوله : كِتابٌ خبر المبتدأ ، وعلى كلا التقديرين هو أسلوب فخم وقد مضى مثله في قوله تعالى : المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ الأعراف : 1 ، 2 ] . والمراد : أنه منزّل ، فالمصدر بمعنى المفعول كقوله : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [ الشعراء : 192 ، 193 ] وهو مبالغة في كونه فعل اللّه تنزيله ، تحقيقا لكونه موحى به وليس منقولا من صحف الأولين . وتنكير تَنْزِيلٌ و كِتابٌ لإفادة التعظيم . والكتاب : اسم لمجموع حروف دالة على ألفاظ مفيدة وسمي القرآن كتابا لأن اللّه أوحى بألفاظه وأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بأن يكتب ما أوحي إليه ، ولذلك اتخذ الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كتّابا يكتبون له كل ما ينزل عليه من القرآن . وإيثار الصفتين الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ على غيرهما من الصفات العلية للإيماء إلى أن هذا التنزيل رحمة من اللّه بعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور كقوله تعالى : فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ [ الأنعام : 157 ] وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] وقوله : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ العنكبوت : 51 ] . والجمع بين صفتي الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ للإيماء إلى أن الرحمة صفة ذاتيّة للّه تعالى ، وأن متعلقها منتشر في المخلوقات كما تقدم في أول سورة الفاتحة والبسملة . وفي ذلك إيماء إلى استحماق الذين أعرضوا عن الاهتداء بهذا الكتاب بأنهم أعرضوا عن رحمة ، وأن الذين اهتدوا به هم أهل المرحمة لقوله بعد ذلك : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [ فصلت : 44 ] . ومعنى : فُصِّلَتْ آياتُهُ بينت ، والتفصيل : التبيين والإخلاء من الالتباس . والمراد : أن آيات القرآن واضحة الأغراض لا تلتبس إلا على مكابر في دلالة كل آية على المقصود منها ، وفي مواقعها وتمييز بعضها عن بعض في المعنى باختلاف فنون المعاني التي تشتمل